الرئيسية الرئيسية » المقالات » الرحيل عن مدن الهزائم » الحزن في كل مكان •• الرحيل إلي المستحيل
  

الحزن في كل مكان •• الرحيل إلي المستحيل


  الكاتب:  أحمد رجب شلتوت    تكبير الخط | تصغير الخط


  اضيف 2010-01-27      مشاهدات 2200    ارسال مقال ارسل    اضف تعليق    حفظ المقال حفظ    طباعة المقال طباعة

حينما أعلن " رولان بارت " عن موت المؤلف وبداية عصر القاريء •• لم يكن يقصد ذلك القاريء الذي يمسك بالكتاب للتسلية وقضاء أوقات الفراغ •• بل كان معنياً بذلك القاريء الخاص الذي يحاول تكوين رؤية خاصة تجاه النص •• ويتلقي النص وهو في حالة دهشة ناتجة عن توحده بالنص • وكما قسمنا أنواع القراء يمكن أيضاً تصنيف النصوص ، فهناك نص صريح ، مباشر يسلم نفسه للقاريء بلا مجاهدة فهو نص ذو بعد واحد •• وقد يكون محدود القيمة ، وهناك نص غير صريح ، نص موحٍ ، وهو النص الذي تختفي خلف مفرداته وصيغه دلالات أخري كثيرة يستشفها القاريء من النص ذاته •• ويكتفي المؤلف بأن يعطي للقاريء مفاتيحاً تسهل له الولوج إلي داخل النص الفسيح •• وفي هذه الحالة يصبح النص أيضاً كما يقول رولان بارت : " يتكلم وفقاً لرغبات القاريء " وهذا النص الايحائي هو الذي يحدد نوعية قارئه •• وفي رأيي أن هذه المجموعة ( الرحيل عن مدن الهزائم ) من القصص القصار للقاص المتميز " خالد محمد غازي" من النصوص التي يمكن إعتبارها نصوصاً إيحائية تصلح لقراءة خاصة وصعبة كتلك القراءة التي أسماها " تودوروف" بالقراءة الشاعرية تمييزاً لها عن القراءة الإسقاطية أو قراءة الشرح • إن محاولة العثور علي مفاتيح قصص " الرحيل عن مدن الهزائم" لن تكون سهلة وتحتاج لقراءات عديدة ، فالقراءة الواحدة السريعة لا تكفي لسير أغوار النص ، وقد وجدتني بعد أكثر من قراءة مقتنعاً بأن المدخل البنيوي هو المدخل الطبيعي لدراسة هذه المجموعة •• لكن المنهج هنا لن يكون بنيوياً بالمعني الضخم لهذه الكلمة بل سأكتفي فيه بالإستعانة ببعض خطوط المنهج البنيوي ، وذلك وفقاً للخطوات التالية : - إحصاء بعض المفردات التي تمثل أفعالاً محركة لبنية النص • - دراسة هذه المفردات كل علي حدة • - الكشف عن القيمة الأساسية ثم الموتيفات المتفرعة عنها وذلك علي مستوي المجموعة ككل وليس بالنسبة لكل قصة علي حدة • - الإنتهاء إلي تقديم البنية الرئيسية للمجموعة القصصية التي تتشابك فيها تيمات وموتيفات هذا التكوين القصصي • محاولات التبلور الأولي الإطلال علي نهايات القصص التي تضمها المجموعة تبين لنا أنها كتبت خلال خمس سنوات ( من 5891 وحتي 9891 ) وهذا معناه أولاً أن هذه المجموعة تمثل مرحلة واحدة من مراحل التطور الفني لمؤلفها ، وهي ما يمكن تسميتها بمرحلة التكوين ، حيث محاولات التبلور الأولي والتي تنبيء بمراحل تالية أكثر نضجاً وتوفيقاً لعلة يتخلص فيها من بعض العيوب الفنية في بعض قصصه ، كأن يفصل في بعض المواضع التي يجب فيها التركيز مما يصيب القصة بشيء من الترهل كما في قصة " ضحي" أو يوجز في وقت يتطلب فيه السياق بعض التفصيل مما يصيب القصة بالإبتسار كما في قصة " ما حدث في المقابر" • وثانياً : أن الكاتب يمثل جيله وعصره ، حيث تشيع في أدبه تيمات الحزن والفقد والخوف والموت والرحيل ، كما ينشد الحل في الحلم بحب مستحيل أو اللجوء لطفولة بكر نقية •• وهذا ما سنراه في الحديث عن مفاتيح المجموعة • إن القراءة المتأنية لهذه المجموعة تكشف لنا أن تيمات معينة قد شاعت فيها وكما بينا من قبل ، فإنها تكاد تكون سمة لجيل الكاتب بأكمله مع الاحتفاظ بخصوصيات تجربة كل كاتب ، وأيضاً مع الإحتفاظ بخصوصيات التشكيل الصياغي والتكوين اللغوي • وأهم التيمات الواردة بمجموعة " الرحيل عن مدن الهزائم " الحزن - الوحدة - الإنتظار - الموت - الليل - الخوف - الهزيمة وغيرها • وفيما يلي جدول توضيحي يبين عدد المرات التي وردت فيها المفردة في كل قصة علي حدة • وعددها الإجمالي في كل قصص المجموعة ، وذلك للوقوف علي موقع المفردة أو التيمة من خريطة التيمات ككل في نظرة شمولية • إن هناك مفردات - بمشتقاتها - تكررت في كل القصص كتيمة أساسية لعل أبرز هذه المفردات وضوحاً : الحزن ، الرحيل ، الوحدة ، الانتظار ، الحلم •• إن مفردة كالحزن تكررت في قصة ( العزف علي ايقاع الحزن ) 71 مرة ومفردة كالرحيل تكررت في قصة ( الليل والحلم ) 8 مرات ، ومفردة كالحلم تكررت في قصة ( في انتظار الغائب ) 81 مرة • تيمة الحزن لقد قمت بعملية إحصاء للمفردات الواردة في قصص المجموعة وإلي كثرة دورانها ، بما يشي بأهمية الموضوع الذي تدور حوله هذه المفردات •• وفي إحصائنا للعائلة اللغوية الواحدة قمنا بإحصاء للجذر اللغوي ، بمعني إننا عندما نحصي مفردة ما فإنما نحصي كافة إشتقاقاتها في كل الجذور اللغوية التابعة لها ، ونسوق لذلك مثالاً توضيحياً • فمثلاً عندما نحصي مفردة " الحزن" سنقوم بإحصاء كافة صيغها الإسمية والفعلية مثل " الحزن - حزين - يحزن - المحزون " ثم إحصاء مرادفات هذه المفردة بكافة صيغها مثل " الهم - الكرب ••" ثم المفردات ذات العلاقة بالحزن مثل " الدموع - العويل - البكاء - البؤس - اليأس -••إلخ" • ووفقاً لذلك فإن الحزن كمفردة قد وردت في ( 02) قصة من بين (32) قصة ضمتها المجموعة ، وقد بلغ عدد مرات تكرار المفردة في القصص 211 مرة • والحزن في قصص " خالد غازي " يأخذ أكثر من صورة مثل الكأبة - المرارة - الألم - ولكن كيف يعيش الكاتب هذه المشاعر ؟ إن الكاتب ( من خلال أبطاله ) دائماً حزين ، فهو يعيش الحزن فيما حوله ويراه فيمن يحيطون به وهو حزين لإفتقاده صديق أو لفشله في الحب أو لأي سبب أخر • والحزن في هذه المجموعة ليس حزناً عارضاً ولا طارئاً بل هو حزن مكين وعميق •• فالأبطال ماضيهم حزين وذكرياتهم عنه حزينة ، وأيضاً حاضرهم حزين • لكن كيف السبيل إلي الخروج ؟ الحل الذي تطرحه قصص المجموعة للخروج من دائرة الحزن هو الحلم • فليس ثمة من حل إلا أن ينسحب الإنسان ( في القصة ) من الحاضر المحزن إلي الذات ليستغرق في الحلم • وتتردد في المجموعة تيمات أخري وإن كانت أقل شيوعاً من الحزن مثل تيمة ( السفر - الوداع - الرحيل ) وتتردد في ( 21) قصة أي نصف عدد قصص المجموعة تقريباً وتتردد بمعدل (32) مرة • ومن الطبيعي أن يقترن الرحيل بالحزن • فقد يكون سبباً له أو ناتجاً عنه •• والرحيل قد يكون إغتراباً في المكان ، كما أن الحزن هو نوع أخر من الاغتراب •• ومن التيمات الأخري والتي لا يتسع المجال هنا لذكرها - خشية الإطالة - الإنتظار - ( العزلة الوحدة ) - الهزيمة - الخوف • ونجد أنها جميعاً مكملة للتيمة الأساسية في المجموعة وهي تيمة ( الحزن) • وكما ذكرنا فإن الكاتب يهرب من ( الحزن) إلي الحلم ، والحلم عند " غازي" موضوعه رئيسية تمتد في كل قصصه الثلاث والعشرين سواء صراحة أو ضميناً ، فدائماً يحلم وغالباً ما يتم وأد الحلم •• وقد كان الحلم قريناً لليل في القصة الأولي •• " الليل والحلم " والحلم عند الكاتب يفرزه الواقع المؤلم الذي يحياه والذي يتسم بالظلم وإفتقاد الأمان وعدم القدرة علي التكيف مع المجتمع • الحلم •• تفصيل أخر البطل في قصص المجموعة بطل مأزوم يهرب من واقعة المتردي إلي الحلم ، والحلم إضافة إلي ما سبق ينبيء عن إتصال الماضي والحاضر وكلاهما أليم بالمستقبل المرجو حيث يأمل الكاتب / الراوي في حل أزماته وتحقيق أحلامه، وأيضا يوحي - كما يقول الدكتور أحمد كشك في دراسته عن المجموعة - بعالم مثالي للحب فيه قيمة وللإنسان فيه دور وللحرية فيه مكان • ففي قصة " إنتظار" تقرأ: " أنا فقير يا سيدي لكنني أملك الحلم • تري من وهبه لي وأنا الفقير المعذب المشرد" وفي قصة " ضحي" : ينادي الحبيبة قائلاً :" يا أملا أنتظر مجيئه • يا حلماً قد أموت لكنه بداخلي ينبض بالحياة " والكاتب في قصص المجموعة لا يهرب فقط من الواقع الأليم إلي الحلم بل أيضاً يجد في الحلم راحته • ويجعله رمزاً وقد أحكم رمزه واضعا قدرته موضعها المناسب إزاء الواقع الطاغي • ففي قصة " الرحيل إلي أميرة " يقول : " حلمت بك البارحة حلماً غريباً • في الحلم حدث صدام بين قطارين واشتعل الحريق بينهما " وهكذا يكتمل تصوير الواقع لديه في الحلم حيث الصدام والقطارات والاشتعال • من خلال قراءة مجموعة " الرحيل عن مدن الهزائم" يمكن إستشفاف بعض المفردات التي سبق الإشارة إليها • ويمكن أن نصل منها إلي تحديد التيمات ( الموضوعات الرئيسية ) والموتيفات ( الموضوعات المتفرعة عنها ) التي تكون شبكة العلاقات الموضوعية في المجموعة علي النحو التالي : أولا : الموضوعات الرئيسية : - الحزن : الذي يترسب في نفس القاص منذ البداية ويزيد مع زيادة تجاربه الحياتية • - الحلم : ويأتي نتيجة التراكمات النفسية الكثيرة التي تجعل البطل محبطاً مما يضطره إلي الهروب إلي الحلم • - الهزيمة : وتأتي نتيجة الإحباطات المتتالية التي يتعرض لها البطل في حياته • - الرحيل : كما يقول عنوان المجموعة " عن مدن الهزائم " بحثاً عن حلم جديد في مدن أخري • ثانياً : الموضوعات الفرعية : - الفجر : الذي يبشر بالميلاد ، وبتحقق الأحلام • - الحب : الذي يحلم به الكاتب ، وللأسف فإنه لا يتحقق في المجموعة سواء علي المستوي الحقيقي أو المستوي المجازي ، ويظل أبداً مجرد حلم أو أمل منشود • - الخوف والحيرة والقلق : وهي مشاعر طبيعية في مثل الأجواء التي تستشرفها وتعبر عنها قصص المجموعة وهذه المشاعر تترسب تدريجيا حتي تكبر في النفس وتصير عائقاً يحول دون تحقيق الحلم •

   

   التعليقات

شكرا لك..!!سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .


 
من المقالات القائمة الرئيسية من مكتبتي مواقع مختارة



يحق لك عزيزي المستخدم الاستفادة من محتوى الموقع بالنقل والحفظ وضمن الاغراض الشخصية مع ذكر المصدر موقع الدكتور خالد محمد غازي    خدمة Rss     صفحة البدء    اضفنا للمفضلة

© جميع الحقوق محفوظة لموقع د.خالد غازي k-ghazy.com 2010

طريق التطوير لحلول الانترنت برمجة وتصميم طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم