الرئيسية الرئيسية » المقالات » الرحيل عن مدن الهزائم » قـراءة فــي قصص الرحيل عن مدن الهزائم
  

قـراءة فــي قصص الرحيل عن مدن الهزائم


  الكاتب:  رشاد أبـو شــاور    تكبير الخط | تصغير الخط


  اضيف 2010-01-27      مشاهدات 2394    ارسال مقال ارسل    اضف تعليق    حفظ المقال حفظ    طباعة المقال طباعة

قطعت القصة العربية القصيرة شوطا بعيدا منذ تأسست على أيدي أساتذتها الأوائل ، الذين انتقلوا بها من عباءة المقالة الوعظية ، وحرروها من هيمنة السجع (المقامي)- نسبة إلى المقام ، والحكاية البطيئة المكرورة الوعظ والنصح والارشاد، والحض على فعل الخير، والتمسك بأهداب الفضيلة•• ولقد قيض للقصة القصيرة العربية قصاصون مجتهدون ، انتقلوا بالقص إلى دواخل أبطال قصصهم ، وشخوصها ، وتخففوا من ثقل السرد الذي ماعاد يتناسب وايقاع حياة عصرية، سريعة، متطورة•• إلى أن جاءت أجيال من القصاصين • الذين عاشوا عصر السينما، والتليفزيون ، والهاتف النقال ، والانترنت•• من هؤلاء خالد محمد غازي، القاص، والباحث، والصحفي المصري ، الذي أصدر مجموعتين قصصيتين ، هما (أحزان رجل لايعرف البكاء) و(الرحيل عن مدن الهزائم)•• في قصصه يلجأ خالد محمد غازي إلى أسلوب قصيدة النثر ، التي توشك أن تكون ذات إيقاع ، بالموسيقى التي تسكن جملها ، وإلى لغة السيناريو ، حيث التقطيع للمناظر في القصة مما يسهل التخفف من ثقل السرد، وبطئه ، ومما يساعد على دفع القارئ لرؤية الحدث من عدة زوايا ، ووجهات نظر لشخوص القصة، مع الحفاظ على جو القصة ، والإمساك بمفاصلها ، وإن بدت مجزأة ، ممزقة ، كأيام حياتنا ، وتطاير ساعات عمرنا ، نحن أبناء هذا الجيل نلهث من هزيمة إلى هزيمة ، ومن انكسار إلى انكسار ، والراكضين وراء رغيف الخبز ، والحالمين بلحظة راحة، وركن يهبنا بعض السعادة والطمأنينة المفقودة•• المأمولة! في قصة (الليل والحلم)، يدخلنا القاص إلى عالم القصة مدخلا شعرياً• وحـيدا•• خرجت أبحث عن كوة مجهولة النور•• توقي يسابقني إليها•• عيون خلاني ترقبني•• أسمع صوت أبي يدعو لي بأن أرجع سالما غانما•• ثم نتعرف ببطل القصة- والبطل هنا بلابطولة أسوة بأبطال القصص القصيرة ، المأزومين دائما ، والذين يقتنص القاصون لحظات هزائمهم ، بأساليب تميزهم الواحد عن الآخر- الذي يواصل مناجاته، في حين يتوغل في اجترار هزيمته وألمه ، وشعوره بالوحدة•• وتنتهي القصة نهاية (ملغومة) طافحة بالسخرية فاللقاء بالأجداد لاينقذ حفيدهم التائه ، ولايبدل حاله من سيئ إلى حسن•• في القصة التي حملت المجموعة عنوانها (الرحيل عن مدن الهزائم ) نقرأ المقاطع، ومن ثم نجمعها ، ونلصقها ببعضها البعض ،وكأننا نتسلى بلعبة (جيغزو)، وهكذا يشركنا القاص معه في كتابة قصته التي تنتهي مقاطعها بما يثير دهشتنا ، مع أن النهايات - وهذا أمرغريب، فكيف تكون القصة القصيرة الواحدة بعدة نهايات ؟ - تقودنا إليها مقدمات سلسة لكنها مراوغة ، وغير تقليدية •• فالبنت التي تكتب رسالتها الجميلة • الحميمة، ابنة الثانية عشرة، ليست عاشقة لولد من جيلها، ولالرجل كبير تعشق فيه النموذج، ولكنها تختم رسالتها : إنني عندما أحزن ألجأ إليك لأشكو لك •• وعندما أفرح أشكرك•• أعلم أنك قرأت رسالتي هذه قبل أن أكتبها إليك•• ولكني كتبتها •• لأنني أحب أن أكتب إليك •• لأنني أحبك• وتختم رسالتها بالعاشقة الصغيرة••• وبعد أن تضعها في المغلف ، وتغلقه ، تكتب العنوان على غلافه بخط أنيق: إلى الله!•• لاعجب ، ففي قصص هذا القاص شطحات صوفية ، تحملها لغة شاعرية، تعبر عن شعور بطل القصص بالوحشة ،ورغبته الملحة بالخلاص•• في هذه القصص تتكرر مفردات :الحلم، الوحدة ، التعب، الصمت، الذكرى، الانكسار، التوهان ، من القصة الأولى في المجموعة (الليل والحلم) وحتى آخر قصة (العزف على إيقاع الحزن)••• ولماذا الاستغراب ، والدهشة من أجواء الحزن والاحباط التي تهيمن على القصص جميعا، مادام (بطلها) من أبناء زمننا، ومادام متعلما ، ومثقفا، وباحثا عن راحة البال التي لاتدرك ، وعن اليقين الذي لاينال إلا بعد تعب بال ، وطول عناء وبحث، وربما ضياع! في مجموعته الثانية(الرحيل عن مدن الهزائم) بدا القاص أكثر دراية ، وخبرة ، وصار أميل للتخفف من السعي المحموم لتقديم قصص قصيرة تأخذ من أسلوب كتابة السيناريو كما في (أحزان رجل لايعرف البكاء)•• في قصص (الرحيل عن مدن الهزائم) لايرحل القاص بقارئه عن مدن الهزائم، ولكنه يسلس قياده، فإذا به يحزن، ويغرق في الصمت مستذكرا أيام حياته التي لم تنته ، والتي تملأ القلب مرارة• قصص تمتع ، وتؤلم ، لأنها لم تكتب للتسلية ، ولالإدخال السرور الخلب إلى النفس، ولاتهدهد أوجاعنا بمتخيل ينتزعنا كالمخدر لحظات عن الواقع ، في حين أننا نغرق، ونخسر عافيتنا النفسية ، والبدنية والعقلية •• وتتبدد أيام حياتنا في مدن الهزائم، تلك التي لانستطيع الرحيل عنها، لأنها مدننا، وقدرنا ، وليس لنا إلا أن ننهي زمن هزائمها ، وندحر كأس مرارتها بعيدا عن حياتنا• القصة القصيرة تعبر عن معاناة الفرد•• ولأن الفرد غير معزول عن الجماعة فإننا نقرأ في قصص (الرحيل عن مدن الهزائم) قصصا•• عن الفرد في أشد لحظاته حميمية ، وخصوصية ، وعن أفراد كثيرين •• يشكلون جماعة، تجمعها هموم متشابهة ، متداخلة ، وعلاقات متواشجة ، لافكاك منها، لأن الخلاص لايكون فرديا في مدن (الهزائم)•

   

   التعليقات

شكرا لك..!!سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .


 
من المقالات القائمة الرئيسية من مكتبتي مواقع مختارة



يحق لك عزيزي المستخدم الاستفادة من محتوى الموقع بالنقل والحفظ وضمن الاغراض الشخصية مع ذكر المصدر موقع الدكتور خالد محمد غازي    خدمة Rss     صفحة البدء    اضفنا للمفضلة

© جميع الحقوق محفوظة لموقع د.خالد غازي k-ghazy.com 2010

طريق التطوير لحلول الانترنت برمجة وتصميم طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم