الرئيسية الرئيسية » المقالات » أحزان رجل لايعرف البكاء » أحزان رجل لا يعرف البكاء.. أقصي الحب أقصي الحزن
  

أحزان رجل لا يعرف البكاء.. أقصي الحب أقصي الحزن


  الكاتب:  لنا عبدالرحمن    تكبير الخط | تصغير الخط


  اضيف 2010-01-27      مشاهدات 2949    ارسال مقال ارسل    اضف تعليق    حفظ المقال حفظ    طباعة المقال طباعة

"كما نعرّض أحياناً قضيبنا معوجاً للنار لنقّوم اعوجاجه يعرضنا الله لنيران الحزن والأس، ليقّوم نفوسنا ويزيد استقامتها واعتدالها" ارستوفانيس • بهذه الحكمة وأقوال أخري يفتتح الكاتب والباحث خالد محمد غازي مجموعته القصصية بطبعتها الثانية والمنقحة "أحزان رجل لا يعرف البكاء" • ولا يبدو إختيار المؤلف لقول ارستوفانيس مصادفة إذ بدا هذا القول تحديداً علي محاكاه عالية مع قصص المجموعة فالكاتب مع قراءتنا للعنوان يواجهنا بأحزان رجل تحجرت مآفيه فبات البكاء لا يعرف إلي عينيه سبيلاً، وكأن العنوان يحمل تحريضاً مستفزاً للقارئ يدعوه لسبر أحزان ذلك الرجل، والتسلل لأغواره وكشف اسراره الدفينة • والقاص خالد محمد غازي ابتدأت رحلته مع الكتابة مع مجموعتين قصصيتين هما "أحزان رجل لا يعرف البكاء" و "الرحيل عن مدن الهزائم"، ويتضح من كلا العنوانين انهما ينطلقان من فضاء المعاناه نفسه، والرحيل الناتج عن الانشطارات الداخلية والمرارة والغربة، لكن الكاتب بعد اصداره لمجموعتيه القصصيتين تفرغ للعمل الصحفي واتجه لكتابة الأبحاث الأدبية والسياسية، ساعياً إلي مراكمة مخزون ثقافي وأدبي يساعده علي بلورة رؤية واسعة تشمل السياسة والأدب، فجاءت كتبه "أنبياء وقتله" ، "القصة القصيرة في أدب المرأة السعودية" ، "جنوب امرأة" ، "الغزالة والسهم" ، "فاطمة رشدي حياة رجال واسرار" ، "الطوفان العولمة - فك الثوابت وتحطيم الهويات" ، "سيرة مدنية "القدس" ، "الحرب السرية في أرض العرب" و "طريق الخداع" سري للغاية • مساء الحزن أيها الحب في القصة التي حملت عنوان المجموعة يدمج المؤلف بين مسرح الحياة النفسية العاطفية للبطل وبين عرض مسرحي عن حكاية الحجاج بن يوسف الثقفي وحبيبته، حيث يبدو التمازج بين العام والخاص، السري والمعلن، الواقع والحلم، يناهض ذلك اختيار المؤلف لشخصية الحجاج بن يوسف وهو المعروف تاريخياً بقسوته وجبروته ثم التلميح لمدي سيطرة حبيبته وتحكمها بعواطفه "كان الحجاج قوياً بسيفه مهزوماً بقلبه" • هذا الوصف للآخر والتعبير عنه بنغم شفاف حزين يرادفه خروج الذات في مونولوج داخلي عذب يوافق البنية الدلالية العامة للقصة، حيث تبدو المزاوجة بين حالة الحجاج وحبيبته علي خشبة المسرح وبين الصراع النفسي لبطل القصة لحظة رؤيته حبيبته تجلس مع رجل آخر علي مقربة منه مكانياً وعلي بعد وجداني شاسع بيد أن هذه المقاربة نتلاش جزئياً مع الرحيل في ادغال الذات لسرد ما كان في الأمس من حبيبة البطل معترفاً بأنها غدت وهماً وسراباً يقول : "رحت تبحثين عن عريس لتسيران معاً في ركب الخنوع، يا أغلي الأوهام هي أنك لم تخلقي، وخلقت أخري مكانك أليس من المحتمل أن أحبها بدلاً منك" • ويرتفع مستوي الصراع الداخلي حين يقول : "فيا صحوي هب كل شئ في كفة، وحنان لو جاءت الآن طالبة العفو والغفران في كفة أخري من تختار ؟ وكأنتي بالكاتب هنا يرصد الصراع الدائم بين العقل والقلب، الحقد والصفح، الذاكرة والنسيان، ولا يخلص إلي نتيجة سوي أن الذات لا تقسم ولا يمكن تشتيث عوالمها الداخلية • بدأ الكاتب مجموعته بقصة "ربما يأتي" التي بدت من أكثر القصص زخماً بالتوتر "الدرامي - الانساني"، وفيها امرأة فقدت ابنها وراحت تجوب الشوارع بحثاً عنه غير مبالية بكلام المارة وضربات الأولاد وتعليقهم "يا مخبولة" ويتابع الكاتب تصعيده للحدث الدرامي في سقوطها ميته علي أحد الأرصفة، لتبدو النهاية متوائمة مع خط البداية ترثي الزمن الماضي، وتعبر عن حجم المأساة الناتجة عن مشاعر الفقد والموت • الخوف وآلية الصراع المستمر تطرح قصة "الرهان علي الجواد الميت" أزمة الصراع التقليدي بين المثقف والتيار الرجعي المتسلط الذي يخلع قفازاته ويكشف عن مخالبه لمواجهة بطل القصة المقاوم والمتمسك بمبادئه حد التماهي والتوحد، هو يرفض أن يكون مخبراً لهم، يرفض أن يكون عميلاً سرياً، يصمد، يقاوم، يعتقل ويسجن، وتوجه اليه طعنة أخيرة لحظة مواجهته بمعرفة السلطات لكل اسراره من خلال "حبيبته"، حيث يظهر فعل الخيانة مجسداً بذلك الأستسلام الأعمي من طرف المرأة، يقابله المقاومة المضنية من قبل الرجل يقول : "لم استطع ان اكون عميلاً، لا أرغب في ان اكون واحداً منهم•• ها نحن اسري اتهامات لم نرتكبها، وأدخلنا حجرة باردة مظلمة لها نافذة كبري مسيجة بالحديد، أرضية الحجرة قذرة تشم فيها رائحة العفن والرطوبة" • صدي الذات والملاحظ في قصص المجموعة انها في معظمها تنطلق من خيانة أو إساءة تُسرد وقائعها بإيجاز حدثي وتفصيل وجداني دقيق، بحيث تشكل الدراما النفسية محور القصص إجمالاً، ولا يكون الحاضر الراهن إستكمالاً لنتائجها أو آثارها أو رده فعلٍ عليها، وتكون محاولة للبوح كما ادت اليه هذه الهزيمة أو الاساءة التي سببها الآخر • نستطيع ان نميز الأقاصيص ضمن مجموعتين الأولي ذات طابع اجتماعي من حيث احداثها أو شخصياتها، إذ تتعرض مباشرة للتأزمات الاجتماعية وهذه القصص هي "ربما يأتي" "حين يغير الماضي ألوانه" "لا تؤاخذني علي صراحتي" "المارد الذي مات" • المجموعة الثانية وجدانية بحته يؤكد النظر في اقاصيصها تمحور الحدث عند هزيمة عاطفية حادة ادت إلي تصدع داخلي عنيف • لكن القصص جميعها في خطي سيرها الاجتماعي والعاطفي تجنح إلي تجسيد الآلم والأضاءة علي كافة جوانبه بإعتباره فعلاً سلبياً أعلن عن موقف شخصية انهزامية قادت تصرفاتها السلبية إلي الحاق الأذي بها وبالآخرين• هكذا تبين المعطيات الدلالية الأولي للتشكل السردي العام في اقاصيص خالذ غازي، حيث يظهر ان الحزن الذي يفيض من النصوص يعلن واقعاً مؤلماً هو نتيجة التخلي والفقد والهجر • لكن القصص كما يتبدي لنا تتجه نحو تصور إيجابي، تشرع فيه بعد لحظة المواجهة والحسم مع الماضي كما في قصة "حين يغير الماضي ألوانه" وأيضاً في القصة التي حملت عنوان المجموعة "أحزان رجل لا يعرف البكاء" • علي المستوي البنيوي للنص يشير حدث المواجهة الي فعل مزدوج، من ناحية بتر لماضي معين تمثل في مواجهة أخيرة مع الشخصية السلبية من ناحية ثانية يشكل استكمالاً لسياق مستمر مجسد في رغبة المقاومة والصمود ومتابعة الحياة بشغف بعد التخلص من شظايا الماضي وتراكماته، مما يدل علي استشراف بعد مستقبلي إيجابي، وبتر لمأساوية الحدث السلبي الذي اعاق تحرر الذات وخروجها من الأذي ومضاعفاته مثلاً كأن يختتم الكاتب قصته بهذه العبارة " السواد يتوالد باستمرار من أعماقٍ سحيقة لكن ينبعث وميض نجم ما فيزحف الوميض نحو العتمة الخانقة" ولغة خالد غازي لغة شاعرية سلسة تمزج بين الواقع والخيال مزجاً متناغماً يحمل القارئ الي حالة من التخيل المدرك، وحوار شخوص قصصه يشبه الحوار المسرحي، يساعد علي ذلك الترقيم بين فقرات القصص أو عنونتها بعناوين فرعية صغيرة، ويشدنا الكاتب بإيجازه بالكلام بجمل قصيرة مكثفة مع اهتمامه بالأفكار وإن كان التعبير الوجداني يحتل حيزاً مكثفاً في بعض القصص كما في "من أوراق امرأة تنتظر" التي تقترب من ادب الرسائل، حيث اتقن الكاتب ميزة التسلل بخفة إلي عوالم المرأة الداخلية وأجاد في وصفها بدقة • إن القارئ لمجموعة "أحزان رجل لا يعرف البكاء" يلتقط بسهولة تذبذات النفس الروائي المستتر في قلم المؤلف، خاصة مع ذاك التداخل الحي بين قضايا اجتماعية حساسة وبوح وجداني صميم تتجاوز الحاجة في التعبير عنهما مساحة القصة القصيرة، لذا سننتظر اخلاصاً اكثر للكتابة ونترقب ابداعاً روائياً يكون متسعاً للتعبير بحرية وتفرد عن هواجس الذات والآخرين في قلم الكاتب •

   

   التعليقات

شكرا لك..!!سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .


 
من المقالات القائمة الرئيسية من مكتبتي مواقع مختارة



يحق لك عزيزي المستخدم الاستفادة من محتوى الموقع بالنقل والحفظ وضمن الاغراض الشخصية مع ذكر المصدر موقع الدكتور خالد محمد غازي    خدمة Rss     صفحة البدء    اضفنا للمفضلة

© جميع الحقوق محفوظة لموقع د.خالد غازي k-ghazy.com 2010

طريق التطوير لحلول الانترنت برمجة وتصميم طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم