الرئيسية الرئيسية » المقالات » أحزان رجل لايعرف البكاء » القصة القصيرة في مفترق الكتابة
  

القصة القصيرة في مفترق الكتابة


  الكاتب:  د.رشيد يحياوي    تكبير الخط | تصغير الخط


  اضيف 2010-01-27      مشاهدات 2060    ارسال مقال ارسل    اضف تعليق    حفظ المقال حفظ    طباعة المقال طباعة

عدد القصص القصيرة وإن لم ترتبط تباعاً ، ناهيك عن نصين موازيين يعقبان احدي القصص وعن ظهور واحد من هذين علي ظهر الغلاف • تقديم هذه النصوص لم يتخذ بدوره نمطاً واحداً ، فخمسة منها ظهرت في صفحة مستقلة بمثابة تقديم عام ورد بعد الاهداء، وانفردت كل قصة بتقديم واحد ، وانفردت قصة أخري بتقديمين وبتعقيبين نصيين مع احالة داخلية علي " وثيقة فرعونية " التعقيبان الملحقان في صفحتين منفردتين ، استمد واحد منها من "كتاب الموتي " وهو الذي سيتجدد ذكره علي ظهر الغلاف ، واقتبس الثاني من" اعترافات السجين السياسي محمود مراد المتهم في حادثة مقتل أمين عثمان "• لو نظرنا في هذا المتن الموازي لوجدنا أنه متميز بما يلي: أ - تمثل خطاب الحكمة • ب - الي جانب الحكمة هناك آراء وأقوال الي جانب نصين سرديين طويلين ، تحاورا في صفحة واحدة مع تباعد فضاءيهما : كتاب الموتي / اعترافات سجين سياسي • ج - اختلاف النصوص من حيث تباعد الزمان والحضارات واختلاف الكتاب ، فالصفحة (7) التمهيدية المتضمنة خمسة نصوص ، تحيل مثلاً أسماء : تاجور وابراهام لنكولن وطرفة بن العبد وأرستو فانيس وأفلاطون• يمثل هذا المتن الموازي إذن ، متناً متباعداً لقائلين والموضوعات والمقاصد ، إذا عدنا للصفحة (7) للتمثيل علي هذا التباين ، سنجد أن خالد محمد غازي جمع فيها بين عدة موضوعات هي الشهيرة والتأني ومحدودية المعرفة وعبرة الحزن والأسي وجمال المرأة• أما إذا تساءلنا عن وظيفة المتن الموازي بالنسبة للمتن القصصي الأصلي ، فإننا نحدد لذلك وظائف أربع هي : أ- توجيه المتلقي الي أفق يحمله علي الانتباه لمغزي معين للمحكي القصصي ، وخاصة في بعده الأخلاقي القيمي إضافة الي توسيع متخيل ذلك المحكي نحو تعدد الموضوعات والمقاصد• ب - خلق نوع من الحوار النصي بين المحكي اليومي المهيمن في المجموعة وبين محكي ومرجع النصوص الموازية في خصوصيتها الزمنية بالتحديد • يمكن الاشارة الي أن النص المقتبس من " كتاب الموتي " يحاور عنوان المجموعة في فضاء الصفحة وفي فضاء الدلالة ، من حيث التقابل علي الغلاف ، ومن حيث تشاكل الحزن والموت ورفض البكاء ورفض الذنب • ج - يصبح هذا الحوار أحيانا ، درجة من الاختزال لمقصد النص الموازي ، كما هي الحال في عنوان قصة " الرهان علي جواد ميت " حيث العنوان مستمد من النص الملحق الموازي ، أو في الحكمة الصينية " لا تقتل خصمك وإنما اجلس علي حافة النهر وانتظر ، سوف تري جثته طافية فوق الماء " وهي الحكمة المقدمة لقصة " حين يغير الماضي ألوانه " والمطابقة لنهاية القصة التي تحقق بالفعل "عدالة " الحكمة بأن ينال الزوج المستبد الطاغي عقابه بالاحتراق والاذلال • وفي قصة " من أوراق امرأة تنتظر " تقديم تمثله قولة لابروبيبر " قد تخلق المرأة لتكون جميلة ، ولكن جمالها لا يتفتح الا بعد ان يتفتح قلبها للحب "• وتعرض القصة بالفعل امرأة جميلة تقرها هي نفسها حين تسجل في أوراق يومياتها " أرقص في حلبة ، الجميع يصفقون لي ، معجبين ، مبهورين ، متيمين ، الزحام يتكاثف حولي والتصفيق يزداد " (ص 65) ، كما أنها امرأة تفتح قلبها للحب بدليل قولها " مازلت سابحة في جزرك المرجانية ، أسيرة في لجتك الفيروزية ، مسحورة ببريق صدقك وجوهر اخلاصك ، أدمنتك والمدمن لا يريد أن يشفي " ( ص 95) - إذا كانت النصوص الاستهلالية أو التقديمية الموازية ، مثلت محافل في التلقي والنص معا فإن عنوان 3 مجموعة يستجيب بدوره لهذا الأفق ، من حيث تشاكله ليس مع القصة التي يحمل عنوانها فحسب ، بل أيضا مع قصص أخري• ومن البديهي القول بأن العنوان أصبح يمثل محفلاً أساسياً في تلقي الأعمال الأدبية ، وأن الأفق الذي يتكون عند القارئ انطلاقا من العنوان ، يلقي بظلاله علي القراءة وهي تنتقل بين نصوص العمل ، وبقدر ما ينطوي عنوان هذه المجموعة علي الايحاء بفكرة المقاومة والمكابدة ، فإنه يشير كذلك الي الانفعال السلبي للذات تجاه فشلها في علاقاتها مع ما تريده وهذه هي صفات الشخصية الرئيسية في القصة القصيرة الحاملة للعنوان ، غير أن العنوان لا يمارس تأثيره علي القراءة في توجهها نحو النص المعين ، فالعنوان بموقعه كعنوان عام للمجموعة ، يؤثر علي القراءة كليا ، وهي تتعامل مع باقي النصوص • وترتيبا علي ذلك ، يقودنا العنوان المذكور لموضوعة مركزية ، بل بؤرة للتشاكل الموضوعاتي المعزز بقرائن متمظهرة في المستوي الأسلوبي للنصوص ، إنه تشاكل يفصح ما بين قصص المجموعة من تماثل بالرغم من كون خطابها السردي ينطوي علي ما ذكرناه من خصوصيات في الفقرتين السالفتين ، ويتحدد التشاكل المقصود في موضوعه الحزن بالذات ، فالحزن يذكر إما بدالة اللغوي أو بمعجمه أو يجعله من صفات الشخصيات أو بتحويله الي موضوع مركزي • فمن حيث هو دال لغوي ، نري له تكراراًَ جلياً في كل القصص ما عدا واحدة لم تتمثله دالا لغويا وإنما دالا موضوعاتيا وصفة للشخصية • وهذه أمثلة تؤكد كثافة الحضور لدال الحزن : - القصة الأولي : " تردد أغنية حزينة لم تعرفها ولم ترددها من قبل " - القصة الثانية : " ما من خلاص من ذكريات ماضي الحزين " - القصة الثالثة : " هل حقا وجهي يحمل أحزان العالم ؟!" - القصة الخامسة :" عندما ودعها ، وسار وحده حزينا " وأمثلة كهذه نواجهها في باقي قصص المجموعة ومن خلالها يتبين لنا أن الشخصيات وإن تعددت ، فإنها تلتقي في كونها تنويعا لنمط أصلي هو الشخصية الحزينة ، وتختلف كل قصة عن غيرها في بنيتها الموضوعاتية و خطابها السردي اللذين يفرزان ذلك النمط من الشخصية،فحزن شخصية القصة التي تحمل عنوان المجموعة راجع الي مكابدة هذه الشخصية من حب ينبعث فجأة بعد أن يلتقي رجل حبيبته القديمة خلال عرض مسرحي فلا يستطيع استعادتها لأنها تزوجت آخر ، إن الرجل حزين لكونه غير قادر علي نسيان الماضي والبداية من جديد ، وهو لا يعرف البكاء لأنه يقاوم داخليا هذه الحالة المزدوجة بين النسيان وعدمه :"عندما خلوت بنفسي كنت حزينا ، حزينا •• حاولت أن أبكي لكن الدموع كانت عزيزة المنال •• في كل مرة أكبو فيها لأقول لنفسي : "أبدأ من جديد " ( ص311) • وحزن شخصية قصة " مع سبق الاصرار والترصد " ناتج من عملية قتل يقوم بها رجل في حق زوجته التي يحبها • أما حزن المرأة التي تقدم أوراقها قصة " من أوراق امرأة تنتظر " فراجع لحب يغيب عنه الطرف الآخر • وسواء في هذه النماذج أو في غيرها ، ترفق موضوعة الحزن بمدونتها اللغوية المفصحة عنها معجمياً بواسطة دال الحزن ومرفقاته من الدول المشتركة معه في نفس الحقل الموضوعاتي • فهل هناك حوافز سردية مشتركة نعتبرها مسؤولة عن توليد موضوعة الحزن المذكورة ومحولة للشخصيات لاكتساب تلك الصفة ؟ - هناك حافز أساسي في هذا كله ، هو الفقدان أو انفصال الذات عن موضوعها ، ذلك أن قارئ المجموعة يمكن أن يلاحظ أن الخطاب السردي لجل النصوص يتولد من هذا الحافز فكل قصة تقدم توليدا وتنمية لأحداث ناتجة عن فقدان ما ، تواجهه شخصيات كل قصة ، وإذا كانت حالة الفقدان طبيعية في السرد فإنها في هذه القصص تبرز في شكل هيمنة ملحوظة • ويتميز الفقدان في المجموعة باتخاذ حالتين هما : الفقدان المفروض ،وفيه تنفصل الذات عن موضوعها بتدخل عامل أو فاعل خارجي • و الفقدان الاختياري وفيه تنفصل الذات عن موضوعها بمحض إرادتها • أ - الفقدان المفروض : يتعالق الفقدان في وضعية مع حالات الموت والحزن والجنون والتشرد والانتظار ، انما حالات تمثل أوضاعاً سردية تنتقل عبرها الذوات • ففي قصة ( ربما يأتي ) تفقد الأم ابنها بسبب موته ويكون هذا الفقدان حافزا لحالة التشرد وانتظار عودة الابن ثم الجنون ثم الموت• وفي قصة " حين يغير الماضي ألوانه " تفقد الزوجة زوجها وبيتها مما ينقلها الي حالة شبيهة بالجنون وفي قصة " امرأة في الغربة " يتم انفصال بين طرفين بسبب انعدام التواصل بينهم ، ويعبر الخطاب السردي عن حالة الفقدان بعنوانين من عناوين فقرات القصة هما " حين التقينا " و " حين افترقنا " ، وفي قصة " من أوراق امرأة تنتظر " حالة انفصال مفروض علي امرأة معزولة ووحيدة في غرفتها بسبب غياب رجل قد يكون ميتا ،وفي القصة الأخيرة أيضا انفصال بين الشخصيتين بسبب حب فاشل • ب- الفقدان الارادي : يمثل الفقدان الارادي أو الاختياري في الوقت نفسه ، الحالة الأخري للفقدان المفروض ، حيث الذات المسببة لعلاقة الانفصال ، تفرضه علي الذات المقابلة ، غير أن الاختلاف بينهما هو في التركيز الذي يمارسه السرد حين يعرض حافز الفقدان من زاوية وجهة نظر السارد الشخصية ، أو من زاوية سارد آخر يركز علي تأثير حدث الانفصال علي طرف معين بالذات وتبعا لذلك فإن حدث الفقدان في قصة " المارد الذي مات " يتمثل في تخلص السارد من مارد وهمي يسكنه بدفعه الي الموت ، وفي قصة " مع سبق الاصرار والترصد " تختار الشخصية الانفصال عن الزوجة بقتلها ، مما يقودها لحالة جنون ، وفي قصة " الرهان علي جواد ميت " يهجرالسارد الزوجة بسبب الخيانة متحولا الي التشرد والتمزق النفسي • ويمكن عموما أننعيد تنظيم الحوافز السردية في تعالقها بالالات الأخري حسب الصيغ التالية: - الفقدان : الحزن : الموت - الفقدان : الموت : الحزن - الفقدان : الحزن : الجنون -الفقدان : الحزن : التشرد - الفقدان : الحزن : الانتظار .

   

   التعليقات

شكرا لك..!!سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .


 
من المقالات القائمة الرئيسية من مكتبتي مواقع مختارة



يحق لك عزيزي المستخدم الاستفادة من محتوى الموقع بالنقل والحفظ وضمن الاغراض الشخصية مع ذكر المصدر موقع الدكتور خالد محمد غازي    خدمة Rss     صفحة البدء    اضفنا للمفضلة

© جميع الحقوق محفوظة لموقع د.خالد غازي k-ghazy.com 2010

طريق التطوير لحلول الانترنت برمجة وتصميم طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم