
لم تعد العولمة مجرد مصطلح اقتصادي أو شعار سياسي عابر، بل تحولت إلى سؤال كوني مفتوح يمس مصير الدول والمجتمعات والهويات والثقافات. فهي ليست حركة انتقال للسلع ورؤوس الأموال فحسب، وإنما منظومة واسعة تعيد ترتيب علاقات القوة، وتمنح الإعلام والتكنولوجيا دورًا حاسمًا في تشكيل الوعي العام وتوجيه مسارات السياسة والاقتصاد. ومن هنا تأتي أهمية قراءة كتاب «ما بعد العولمة.. صناعة الإعلام وتحول السلطة» للدكتور خالد محمد غازي، بوصفه محاولة لفهم هذا التحول الكبير، وكشف ما يحمله من فرص ومخاطر، خاصة بالنسبة إلى الدول الفقيرة والضعيفة التي وجدت نفسها أمام عالم جديد لا يرحم المتأخرين عن امتلاك أدواته.
يتناول الكتاب، واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في عالمنا المعاصر، وهي قضية العولمة بوصفها تحولًا كونيًا واسعًا أعاد تشكيل موازين القوة والسياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام. وينطلق المؤلف من سؤال جوهري: أي وافد جديد هذا الذي دخل حياة البشر من غير استئذان، وفرض منطقه على الدول والمجتمعات، حتى صار على الضعفاء أن يواجهوه أو يتأقلموا معه؟
القوة العظمى
يرى المؤلف أن العولمة لم تنشأ في فراغ، بل جاءت ثمرة مباشرة لانهيار القطبية الثنائية، وانتهاء الحرب الباردة، وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بموقع القوة العظمى في الساحة الدولية. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من السياسات والمذاهب النفعية التي تسعى إلى إعادة رسم خريطة العالم وفق مصالح القوى الكبرى وأغنياء العالم. وفي ظل هذا الوضع، وجدت الدول الفقيرة والضعيفة نفسها أمام آلة ضخمة لا تترك لها خيارًا واضحًا: إما الدخول في منظومتها قسرًا أو اختيارًا، وإما التعرض للتهميش والسحق السياسي والاقتصادي والثقافي.
ويصف المؤلف العولمة بالطوفان الذي يطول القاصي والداني، ويعمل على تفكيك كثير من الثوابت التي استقرت عبر القرون. فهذا التيار لا يقتصر على الاقتصاد وحده، بل يمتد إلى الثقافة، والإعلام، وأنماط التفكير، وأساليب الحياة، وقيم المجتمعات. ومع ذلك، لا يدعو المؤلف إلى الانعزال أو الخوف، كما لا يدعو إلى الاستسلام الكامل، بل يرى أن المواجهة الحقيقية تبدأ بفهم أدوات هذا التيار وتقنياته وآلياته، ثم التعامل معه بوعي نقدي قادر على التمييز بين ما يمكن الإفادة منه وما يجب مقاومته.
شبكات اتصال وتكنولوجيا
ويؤكد الكتاب أن العولمة، رغم ما يحيط بها من ضجيج إعلامي، لا تزال تيارًا في طور التشكل، وأن صورتها الكاملة لم تتضح بعد. وعندما تكتمل هذه الصورة، ستتبدد أوهام كثيرة روجت لها باعتبارها قوة بلا حدود أو قدرًا لا يمكن الإفلات منه. فهناك حدود يفرضها التاريخ، والجغرافيا، والثقافة، والحضارة، والواقع الاجتماعي. كما أن الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لا تملك البنية التحتية ولا القدرات الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح لها بالاندماج الكامل في متطلبات هذا الطوفان، فضلًا عن انتشار الأمية والفقر وضعف القدرة على امتلاك أدوات الاتصال الحديثة.
ويعود المؤلف إلى جذور المصطلح، مشيرًا إلى أن أول صياغة إنجليزية لكلمة العولمة ظهرت عام 1961 في أحد المعاجم اللغوية، ثم انتشرت بعد ذلك لتصبح من أكثر المفردات تداولًا. ويشرح أن جوهر العولمة يقوم على ازدياد الترابط والاعتماد المتبادل بين أرجاء العالم، وتجاوز الحدود التقليدية في انتقال السلع والخدمات والأفكار والصور والرموز. غير أن هذا الانتقال لا يحدث بصورة بريئة أو متساوية، بل يتم عبر شبكات اتصال وتكنولوجيا ومؤسسات تسيطر عليها القوى الكبرى، الأمر الذي يفتح الباب لصراع دائم بين العولمة والمحلية، وبين توسيع الحدود وتعميقها.
ويستعرض المؤلف النموذج الذي صاغه رولاند روبرتسون لنشأة العولمة، والذي يقسمها إلى مراحل تاريخية تبدأ من المرحلة الجنينية في القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر، ثم مرحلة النشوء من منتصف القرن الثامن عشر حتى عام 1870، ثم مرحلة الانطلاق، وصولًا إلى مرحلة عدم اليقين التي ارتبطت بتصاعد الوعي الكوني. ويشير إلى أن الخلاف بين الباحثين حول جذور العولمة لا يغير من حقيقة أنها ظاهرة مركبة تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، والتكنولوجيا بالثقافة، والإعلام بالسلطة.
تحول السلطة
ومن أبرز ما يناقشه الكتاب أن العولمة لم تحدث تغيرًا في التكنولوجيا والاتصال والصناعة فحسب، بل أحدثت تغيرات عميقة في القيم والأفكار والأخلاق ومنطلقات البشر. ويرى المؤلف أن هذه الموجة الجديدة من الهيمنة لا تقدم نفسها في صورة استعمار تقليدي مباشر، بل تأتي عبر خطاب ناعم، وشبكات إعلامية، ومؤسسات اقتصادية، وتقنيات اتصال قادرة على إعادة صياغة الوعي العام. ومن هنا تصبح صناعة الإعلام جزءًا أساسيًا من تحول السلطة، لأن من يملك أدوات الإعلام يملك قدرة واسعة على توجيه الرأي العام وصناعة التصورات وتحديد أولويات الشعوب.
ويتناول الكتاب كذلك فكرة الموجات الحضارية، فيشير إلى أن الإنسانية مرت بمراحل كبرى؛ من موجة الزراعة، إلى موجة الصناعة، ثم موجة المعرفة والمعلومات. وفي هذه المرحلة الأخيرة تحولت المعلومات إلى تجارة، والعلم إلى صناعة، والمعرفة إلى اقتصاد، والتعليم إلى مجال للربح، بينما احتكرت الشركات الكبرى أدوات إنتاج المعرفة ونشرها. ويستشهد المؤلف بآراء مفكرين يرون أن ثورة المعلومات في المراكز المتقدمة لم تؤدِ بالضرورة إلى نهضة الأطراف، بل قد تكون زادت الفجوة بين المركز والهامش، وأوهمت الشعوب الفقيرة بأن تخلفها يعود فقط إلى عجزها عن امتلاك أدوات العصر.
مجهول قادم
ويناقش المؤلف أيضًا علاقة العولمة بالأغنياء والفقراء، وبالحروب والصراعات، موضحًا أن التناقضات التي صنعت الحروب في الماضي لم تختفِ، بل أصبحت أكثر تعقيدًا. كما يرفض فكرة سقوط الدولة القومية بصورة نهائية، معتبرًا أن الحديث عن عالم بلا حدود هو وهم صنعه أصحاب هذا التيار، لأن الواقع يؤكد بقاء الهوية والثقافة والمصالح القومية عناصر فاعلة في مواجهة أي اندفاع كوني شامل.
وفي ما يخص العالم العربي، يرى المؤلف أن العولمة تبدو أكثر التباسًا وخطورة، لأنها تأتي إلى منطقة تعاني أصلًا ضعفًا اقتصاديًا، وتجزئة سياسية، وتوترًا ثقافيًا، وتبعية معرفية وإعلامية. لذلك يدعو الكتاب إلى قراءة واعية لا تنكر قوة العولمة، ولا تستسلم لها، بل تسعى إلى بناء قدرة عربية على الفهم والاختيار والمواجهة.
ويبدو الكاتب متشائمًا من مجهول قادم من مراكز القوة في العالم، لكنه ليس تشاؤمًا سلبيًا، بل تحذير يقوم على قراءة سياسية وثقافية لتبدلات العصر. فالكتاب، في مجمله، محاولة لكشف خبايا مرحلة مقبلة، ودعوة إلى ألا يبقى الفقراء والمهمشون خارج حسابات القوة والمعرفة والإعلام. إنه نداء إلى العالم الثالث كي يتماسك، ويعيد التفكير في أدواته، قبل أن يجد نفسه غارقًا في طوفان لا ينتظر المترددين.
فاطمة حسن
موقع ” اضاءة “
