
يأتي كتاب «المال يتكلم.. تحولات الإعلام الاقتصادي» للدكتور خالد محمد غازي، الصادر في طبعته الأولى سنة 2026 عن وكالة الصحافة العربية، في لحظة عربية تبدو فيها العلاقة بين الاقتصاد والإعلام أكثر التصاقًا بحياة الناس من أي وقت مضى. فالكتاب، الممتد في 271 صفحة، لا يتعامل مع الإعلام الاقتصادي بوصفه فرعًا مهنيًا محدود الأثر، بل يضعه في قلب المجال العام، حيث تتقاطع المعلومة المالية مع القلق الاجتماعي، ويتحوّل الخبر الاقتصادي من مادة للنخب إلى عنصر يومي في تشكيل الوعي والقرار.
ومنذ مدخل الكتاب، يختار المؤلف أن يقترب من موضوعه من بوابة التجربة الإنسانية المباشرة، مستدعيًا مشاهد من بيروت والرياض والقاهرة، ليؤكد أن السؤال الاقتصادي لم يعد شأنًا مؤسسيًا خالصًا، بل صار سؤالًا يوميًا يخص الأسرة والموظف وصاحب المشروع الصغير والمستثمر في آن. ومن هنا تتحدد أطروحة الكتاب الأساسية: الإعلام الاقتصادي لم يعد مجرد وسيط يشرح الأسواق، بل صار أداة تفسير وطمأنة وتوجيه، وحقًا من حقوق المعرفة في المجال العام. هذه البداية تمنح الكتاب نبرةً حية، وتكسر الجفاف الذي يحيط عادةً بالكتابة في الاقتصاد والإعلام معًا.
إعلام متخصص
تنبني مادة الكتاب على خريطة واسعة تمتد عبر عشرة فصول، تبدأ بالسؤال التأسيسي عن الحاجة إلى الإعلام المتخصص، ثم تنتقل إلى تحولات الإعلام الاقتصادي من الصحافة التقليدية إلى المنصات الرقمية، فثورة الصحافة الاقتصادية بين المطبوع والرقمي، والتحليل المالي في الإعلام الرقمي، والقنوات الاقتصادية العربية ونماذج أعمالها، ثم الاقتصاد العربي بعد الثورة الرقمية، وصولًا إلى العلاقة الملتبسة بين الإعلان والإعلام، وجدلية التأثير المتبادل بين الاقتصاد والإعلام، والبعد الإنساني في الإعلام الاقتصادي العربي، ثم دور الإعلام في تشكيل السياسات الاقتصادية. وهذه البنية تكشف منذ الفهرس عن رغبة واضحة في الإحاطة بالموضوع من زواياه النظرية والمهنية والتطبيقية معًا.
وأحد الجوانب اللافتة في الكتاب أنه لا يحصر الإعلام الاقتصادي في وظيفة الإخبار السريع، بل يوسّع تعريفه ليشمل التفسير والتثقيف والرقابة وصناعة المعنى. ففي الفصول الأولى، يلحّ المؤلف على أن الإعلام المتخصص نشأ استجابة لتحول الجمهور نفسه، لا استجابة لتحول الوسيلة فقط؛ فالمتلقي لم يعد سلبيًا، بل صار فاعلًا يبحث عن المعرفة الدقيقة، ويقارن ويشارك وينتج المحتوى أيضًا. وبهذا المعنى، يقرأ الكتاب التخصص الإعلامي بوصفه تحوّلًا في بنية الاتصال، لا مجرد تضييق لمجال التغطية.
وفي المستوى الأكثر مباشرة بموضوع الكتاب، يقدّم المؤلف الإعلام الاقتصادي باعتباره خطابًا يربط الأرقام بالسياق المعيشي. فالقيمة هنا لا تكمن في نقل مؤشرات التضخم أو الفائدة أو الصرف فحسب، بل في القدرة على شرح ما تعنيه هذه المؤشرات في حياة الناس، وكيف تؤثر في القرض والسكن والادخار والاستهلاك والعمل. ومن هذه الزاوية، يبدو الكتاب منحازًا إلى تصور تنويري للإعلام الاقتصادي، يرى فيه أداةً للتمكين المعرفي، لا مجرد منصة لتحليل الأسواق.
ويحسب للكتاب أيضًا أنه يوسّع أفق النظر من الوسائل إلى البنى الحاكمة لهذا الحقل؛ فهو يناقش نماذج الأعمال، وضغوط التمويل، ومأزق الاستقلالية التحريرية، والتنافس الحاد مع المنصات الرقمية، وصعود البودكاست والتطبيقات والوسائط المتعددة، والحاجة إلى الانتقال من المؤسسة أحادية المنصة إلى المؤسسة متعددة المنصات. وفي هذا الجانب، لا يقدّم المؤلف مشهدًا تقنيًا باردًا، بل يربط التحول الرقمي بأسئلة البقاء المهني والمصداقية وتأثير المحتوى في المجال العام العربي.
بنية الحوكمة العامة
ومن أهم ما يمنح الكتاب قيمته في سياق الدراسات الإعلامية العربية أن المؤلف لا يقف عند حدود التوصيف، بل يلح على الوظيفة الاجتماعية والأخلاقية للإعلام الاقتصادي. فهو يتحدث عن التثقيف المالي، وعن المساءلة، وعن كشف التضليل، وعن حاجة الجمهور إلى محتوى يقيه من سطوة الشائعة الاقتصادية، كما يربط بين الإعلام الاقتصادي والتنمية المستدامة والشفافية والعدالة في توزيع المعرفة. وبهذا المعنى، يتجاوز الكتاب الرؤية الأداتية الضيقة، ويقترب من فهم الإعلام الاقتصادي بوصفه جزءًا من بنية الحوكمة العامة.
ويزداد هذا المنحى نضجًا حين ينتقل الكتاب إلى الفضاء العربي تحديدًا، حيث تظهر أهمية الفصلين المتعلقين بالقنوات الاقتصادية العربية وبالاقتصاد العربي بعد الثورة الرقمية، ثم الفصل الذي يعيد وصل الأرقام بالواقع الإنساني. ففي هذه المواضع، يلفت المؤلف الانتباه إلى أن الإعلام الاقتصادي العربي لا يُختبر فقط بقدرته على مواكبة السوق، بل أيضًا بقدرته على ترجمة الأزمات إلى لغة إنسانية عادلة، ترى أثر التضخم والعملة والبطالة في الأفراد لا في الجداول وحدها. هنا يتقدّم الكتاب خطوة مهمة في نقد النزعة التجريدية التي قد تُفرغ الاقتصاد من بعده الاجتماعي.
ومن الناحية الأسلوبية، يختار المؤلف لغة تجمع بين السرد التفسيري والنبرة البحثية، وهو اختيار يمنح الكتاب قابلية أعلى للقراءة خارج الدوائر الأكاديمية المغلقة. غير أن هذا الخيار نفسه يوقع النص أحيانًا في قدر من التفاوت بين المقاطع؛ فبعض الفصول تميل إلى لغة أقرب إلى المقالة التأملية، بينما تميل مواضع أخرى إلى العرض المرجعي الكثيف. وهذا التراوح لا يفسد العمل، لكنه يجعل الكتاب أقرب إلى مشروع جامع بين الكتابة المعرفية والطرح التثقيفي، أكثر من كونه دراسة أكاديمية صلبة ذات بناء منهجي صارم من أولها إلى آخرها.
كما يلاحظ القارئ وجود تكرار نسبي لبعض الأفكار المحورية، مثل مركزية التحول الرقمي، وتراجع النموذج التقليدي، وضرورة التخصص، والحاجة إلى الاستقلالية والمصداقية. وهذه أفكار مهمة بلا ريب، لكن عودتها في أكثر من فصل بالصيغ نفسها أو بتماثل قريب كان يمكن اختصاره تحريرًا ليمنح الفصول مزيدًا من التمايز الداخلي. ومع ذلك، فإن هذا التكرار يمكن فهمه أيضًا بوصفه ناتجًا عن اتساع المادة وتشابك مستوياتها بين التاريخي والمهني والتحليلي.
وإذا أردنا تقدير القيمة الفعلية للكتاب في حقل الدراسات الإعلامية، أمكن القول إنه ينجح في ثلاثة أمور على نحو واضح: أولها ردّ الإعلام الاقتصادي إلى المجتمع بعد أن اعتاد كثير من الخطاب التعامل معه كحقل نخبوي مغلق؛ وثانيها رصد التحول البنيوي الذي أصاب الوسيط والمحتوى والجمهور معًا؛ وثالثها التنبيه إلى أن مستقبل هذا الحقل لا يتوقف على التطور التقني وحده، بل على المهنية والشفافية ونوعية الكادر البشري القادر على تفسير الأرقام دون أن يفصلها عن أثرها الإنساني.
لهذا كلّه، يمكن النظر إلى «المال يتكلم» بوصفه إضافة جادة إلى المكتبة العربية في موضوع لا يزال محتاجًا إلى مزيد من التأصيل والاشتباك النقدي. ليس لأنه يقدّم القول الفصل في الإعلام الاقتصادي، بل لأنه يفتح بابًا واسعًا للتفكير فيه بوصفه حقلًا معرفيًا ومهنيًا وأخلاقيًا في وقت واحد. وهو كتاب مفيد لطلاب الإعلام، والباحثين في دراسات التخصص الصحفي، والمشتغلين بالصحافة الاقتصادية، كما يفيد القارئ العام الذي يريد أن يفهم كيف تتحول المعلومة الاقتصادية من رقم بارد إلى قوة مؤثرة في تشكيل الوعي والحياة.
د. ندى عبد الرحيم