مابعد العولمة: صناعة الأعلام

النظام الكوني الجديد.. وصراع الفقراء مع المجهول

 

أي وافد جديد هذا؟! لا يطلب إذنًا من أي كائن بالدخول، ولا يسمح لأي أحد بالجدال. ربما اختُبر هذا الوافد في بعض المناطق، ولم يُختبر في مناطق أخرى، لكن الشواهد تؤكد أن النظام الكوني الجديد، المبني على أساس اقتصادي، لن يرحم الضعفاء، بل لن يسمح لهم بالبقاء، ما داموا لم يضعوا أنفسهم في مستوى المواجهة، أو بأقل تقدير التأقلم مع الظروف الجديدة التي تفرضها وتحددها، في المقام الأول، مصالح القوى الكبرى، ومن ثم أغنياء هذا العالم.

يقول د. خالد محمد غازي، مؤلف كتاب «ما بعد العولمة.. صناعة الإعلام وتحول السلطة»، الصادر عن وكالة الصحافة العربية في القاهرة: لقد كان ذلك الوافد المسمى «العولمة» ثمرة مباشرة لانهيار القطبية الثنائية في العالم، وانتهاء فترة الحرب الباردة، وتفرُّد الولايات المتحدة الأمريكية وحدها بالساحة كقوة عظمى؛ لترسم سياسات جديدة، ومذاهب نفعية أكثر تشددًا، وتطوي بذلك تحت لوائها قوى واهنة ترغب بدورها في أن تنال نصيبًا من قسمة الغرماء، لتكون طرفًا فاعلًا في رسم سياسات العالم الجديد. وما عدا ذلك، يتم سحق القوى الهشة، وإزالة البقع البشرية غير المرغوب فيها سياسيًا واقتصاديًا وعرقيًا، والأمثلة كثيرة وحاضرة على ذلك. ويبقى على الدول الفقيرة والضعيفة أن تنتمي، قسرًا أو اختيارًا، إلى هذه الآلة والمنظومة الرهيبة المسماة بـ«العولمة»، والتي كُتب تاريخ ميلادها الحقيقي في بدايات عام 1990م، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وهي الآن تسير فيما يشبه «الطوفان» الذي يطول القاصي والداني، ويسهم في طمس الثوابت التي ترسخت عبر القرون وتفكيكها. فماذا أعددنا لمواجهتها أو لمسايرتها؟ وكيف يصبح مصيرنا في السنوات القليلة القادمة أمام اجتياحها؟

وعلى الرغم من كل الضجيج الذي صاحب ذلك الوافد الجديد كاتجاه أُحيط بالغموض، فإننا، بعد فترة من الزمن قد تطول أو تقصر، سنكشف بلا شك أنه تيار الحضارة القادم. لكنه، كأي تيار يحمل عوامل قوته واندفاعاته، يحمل كذلك عوامل ضعفه واندثاره وتلاشيه، كأي موجة استعمارية تتخفى وراء شعارات عامة مبهمة أو تهويمات غامضة، لكنها في المحصلة تعبر، في اتجاهاتها ومساراتها، عن نزعة لأقلية عنصرية غير أخلاقية، تسعى إلى فرض هيمنتها وسيطرتها، وهي ليست جديدة على تاريخ البشرية، ولكنها تأتي هذه المرة بوسائل وتقنيات مختلفة. كما أن مواجهة هذا التيار لا تكون بالانعزال عن معطيات أدواته وتقنياته، ولا بالخوف منه، ولا تعني أيضًا الاستسلام لأخطبوط قوة إعلامه الذي يبشر به ويصوره كقوة لا تقاوم، أو قدر لا فكاك منه؛ وكأن هذا الطوفان هو الغاية التي وصلت إليها البشرية، وهو المارد الجبار الذي لا قِبَل لأحد بمواجهته، والغول الذي لا يمكن الفرار من سطوته، وهو أيضًا الفردوس الأرضي الذي يحقق للبشر المعجزات، والذي يجعل من يتخلف عنه في عداد هامش التاريخ.

اكتمال الصورة

ويؤكد المؤلف أن هذا التيار ما زال في طفولته وميلاده، وعندما يصل إلى مرحلة الشباب فإن الكثير من الأوهام والخيالات سوف يتبدد مع اكتمال الصورة، التي ستؤكد أن هناك حدودًا، سواء في التاريخ أو الجغرافيا، وفي الحضارة أو الثقافة والفكر. وهذه الحدود هي التي ترد على كل الذين صوروه للناس على أنه لا حدود لقدرته أو إنجازاته. إن تدفق الطوفان الحالي ليس إلا حركة بدأت في الدول الكبرى، وبخاصة أمريكا وأوروبا الغربية واليابان. وداخل هذه المجموعة من الدول المتقدمة لا تزال الصراعات على أشدها بين تيار الطوفان السائد في الولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولات طمس الثقافات الأوروبية وتدمير مقومات كياناتها القومية خارج أوروبا. فما زال الصراع دائرًا بين أنصاره في شرق آسيا والعالم العربي وأفريقيا، وأولئك الذين ما زالوا يحافظون على الكيانات القومية من الاندثار. كما أن الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لا تزال في مستوى اقتصادي واجتماعي لا يسمح لها بالخضوع لمتطلبات ذلك الطوفان؛ فلا بنية تحتية متقدمة لديها، ولا قدرات لدى الناس على استخدام أجهزة التليفون والتلفزيون والفاكس والإنترنت وغيرها من التقنيات التي تعبّر عن حالة الهيمنة. وإذا ما تجاوزنا الواقع الاقتصادي، فإن هناك واقع الثقافات والحضارات التي سوف تصطدم بالعولمة وثقافتها وأساليبها. وبالتالي ستنتج عن هذا الصدام حركة تدفع اتجاهات قومية أو حركات دينية قوية، لها قدراتها وإمكاناتها، ويمكن أن تضع حدودًا مغايرة. وإذا كانت العولمة لا تعترف بالحدود القومية أو الجغرافية، فإن قوة تقنياتها، كشبكة الإنترنت وطرق المعلومات السريعة، كلها محكومة بواقع ثقافي وتاريخي سيجعل تأثير هذه التقنيات وحدودها محدودًا، ولا سيما أن الأمية منتشرة بنسب تتراوح ما بين 60 و80 في المائة من العالم الثالث. كما أن فقر السكان وعدم توافر القدرة على شراء هذه الأدوات والتقنيات واستخدامها يجعلان عزل الجغرافيا مجرد وهم نظري لا يصمد أمام واقع ثقافي وحضاري متخلف ليس بوسعه أن ينهض من أجل الخضوع لمقتضيات هذا الطوفان.

أي وافد جديد؟

في هذا الكتاب يحاول المؤلف الولوج إلى هذه القضية ببعض أبعادها، والتوصل إلى نتيجة ربما تكون إشارة تحذير لا أكثر. ونلاحظ أن المؤلف بدأ مساحته الأولى في مدخل كتابه تحت عنوان «ليست مقدمة»، كأنه أراد أن يذكر أن تيار العولمة سابق لهذه الضجة. وهذا ما قاده إلى أن يصور العولمة ويشبهها بالوافد، ويشير بشكل مباشر إلى الغموض الذي يلفها بقوله: «أي وافد جديد هذا؟». ويرجعها إلى انهيار القطبية الثنائية في العالم، وانتهاء فترة الحرب الباردة، وتفرد الولايات المتحدة بقمة الساحة العالمية كقوة عظمى. ويبقى على الدول الفقيرة والضعيفة أن تنتمي إلى هذه الآلة المسماة بالعولمة، التي كُتب تاريخ ميلادها الحقيقي في بدايات عام 1990، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

ويشير المؤلف إلى أن ذلك المفهوم سيتكشف، بعد فترة من الزمن قد تطول أو تقصر، بوصفه تيار الحضارة، ورغم أن هذا التيار ما زال في طفولته، فإنه عند وصوله إلى مرحلة الشباب، فإن الكثير من الأحلام والخيالات سوف يتبدد مع اكتمال الصورة.

وتناول الكاتب أيضًا جذور هذا المفهوم؛ إذ كانت أول صياغة له بالإنجليزية عام 1961، عندما ظهرت في أحد المعاجم اللغوية، ثم سرعان ما انتشرت لتكون مفردة متداولة.

وأشار إلى أن جوهر هذا التيار عُرف بأنه يعني ازدياد الترابط والاعتماد المتبادل بين أرجاء المعمورة، قفزًا على الحدود وأوضاع الحياة. واشتمل ذلك على سؤال: كيف تحدث العولمة؟ أي كيف يتم انتشار السلع والخدمات؟ وكان رأي الخبراء أن عملية الانتشار تتم عن طريق تكنولوجيا الاتصال، والاتصال المونولوجي الأحادي الاتجاه، من خلال الطبقة المتوسطة، وكذلك من خلال المناقشة والمحاكاة وتماثل المؤسسات. ويشير المؤلف إلى وجود صراع مستمر بين العولمة والمحلية؛ حيث تشير العولمة إلى توسيع الحدود، بينما تعني المحلية تعميق الحدود.

النشأة الأولى

وفي كتابه يحاول المؤلف أن يحدد لنا من أين تنبع النشأة الأولى للعولمة، ويرشح إلينا النموذج الذي صاغه رولاند روبرتسون، والمقسم إلى خمس مراحل: بدأت من المرحلة الجنينية، من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر، ثم مرحلة «النشوء» من منتصف القرن الثامن عشر حتى عام 1870، ثم مرحلة «الانطلاق» التي استمرت من سبعينيات القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرينيات من القرن العشرين، ثم مرحلة «الصراع من أجل الهيمنة» التي امتدت حتى أواخر الستينيات، أما المرحلة الخامسة فهي مرحلة «عدم اليقين» التي بدأت منذ أواخر الستينيات، وشهدت الحديث عن المجتمع العالمي وتصاعد الوعي الكوني.

ويقول المؤلف إن هناك تفسيرات كثيرة ظهرت لجذور العولمة، أدت إلى اختلاف في وجهات النظر، لكنه اختلاف ليس جوهريًا؛ لأن كل هذه التفسيرات ما هي إلا أشكال مختلفة للظاهرة نفسها.

ويوضح المؤلف خالد محمد غازي أن ثمة تغيرات ظهرت، ليس على المستوى التكنولوجي والاتصالي والصناعي فحسب، ولا في علاقات القوة والنفوذ والسياسة والاقتصاد فقط، وإنما أيضًا على المستويات الأخلاقية والمعنوية، وأن هذه التغيرات الخطيرة تجري في عقول البشر وقيمهم وأساسيات منطلقاتهم. ويضيف أن خطورة هذه الموجة الجديدة للهيمنة تكمن في صيغتها وأشكالها، فهي لا تُقدَّم بصورة مباشرة بوصفها مشروعًا لإفادة البشرية.

وأشار إلى أن هذا التيار القادم من الشمال لا يعمل إلا على مزيد من التبعية والإخضاع والدمار للجنوب، حيث تتقاسم العالم الآن ثلاث قوى كبرى هي: أمريكا واليابان وأوروبا الغربية.

ويشمل الكتاب تحليلًا لفكرة الموجات الثلاث للحضارة الإنسانية؛ إذ يرى أن الحضارة مرت بمرحلتين رئيسيتين: الموجة الأولى التي تميزت بانشغال القوة العاملة في المجتمع بالفلاحة والزراعة، والموجة الثانية التي استقرت فيها الزراعة بوصفها النشاط الاقتصادي الرئيسي في العالم.

صناعة المعرفة

وانتقل المؤلف إلى ثورة المعلومات وآثارها السلبية، ومدى ارتباط الخرافات والأوهام والأساطير بها، وكيف تتم مناقشة الفرق بين العلم والمعلومات؛ حيث الثورة المعلوماتية والخلط بين المعلومات والعلم. ويشير الكاتب إلى تحول المعلومات إلى تجارة، والعلم إلى صناعة، والمعرفة إلى اقتصاد، والتعليم إلى ربح، ونشر المعرفة إلى احتكار من الشركات الكبرى لأجهزة المعلومات. ويستشهد المؤلف برأي د. حسن حنفي، بأن الثقة في المراكز ازدادت اعتمادًا على تركيز القوى الاقتصادية والسياسية والمعلوماتية فيها، وظنت أنها قادرة على السيطرة على العالم. إن ثورة المعلومات في المركز تسببت في تقوية النزعة السلفية في الأطراف، وأوهم المركز الأطراف أن طريقها في المعرفة ووسائلها في العالم مساوية للتخلف.

ويؤكد المؤلف أن العولمة تدشن عصر الاقتصاد النهائي للنمو الرأسمالي والليبرالي في السياسة والفكر والاقتصاد. وكما أن ماركس كان يعتقد أن الاشتراكية هي آخر شكل اجتماعي، اعتقد «فوكوياما» الياباني الأصل أن الرأسمالية الليبرالية هي آخر ما وصلت إليه البشرية؛ لذلك فإن أنصار ما بعد الحداثة يؤكدون تساقط هذه القيم.

ويؤكد المؤلف أن هناك مفاهيم ثلاثة تحكم منهجية فهم العلم الاجتماعي: أولها مفهوم الكونية، وأبرز تجلياته اتفاقية الجات، والمفهوم الثاني يتمثل في صعود القوميات، أما الثالث فيتضح من خلال العلاقات المتعددة الأطراف.

وتناول الكتاب انعكاسات العولمة على الأغنياء والفقراء، وحروب العولمة التي أشار فيها إلى الصراعات والتناقضات التي هي أساس الحروب، وما زالت وستظل قائمة، بل تصبح أكثر تعقيدًا. وعن العولمة بلا حدود، أكد المؤلف أن سقوط الدولة القومية وخضوعها لمتطلبات ومقتضيات طوفان العولمة أوهام صنعها أصحاب هذا التيار. وأشار إلى أن الأزمة المقبلة يمكن تحليلها من منظور سوسيولوجي من خلال أربعة أبعاد، هي: مسألة انتشار المعلومات، وقضية إنتاج المعرفة، وما يتعلق بقضية الهوية، وطبيعة ما سيطرأ من تغير.

وتناول الكاتب أيضًا العولمة والعالم العربي، واعتبرها بالنسبة إليه أكثر اختلافًا.

ومن الواضح أن الكاتب كان متشائمًا من مجهول قادم من مراكز القوى الحقيقية في العالم، ويدرك تمامًا أن قدومه أمر لا مفر منه؛ لذلك كان الكاتب واقعيًا وموضوعيًا، رغم الاختلاف حول مفهوم العولمة بكل ما تحتوي عليه الكلمة من غموض، إلا أنه كان شجاعًا ومبادرًا إلى طرح وجهة نظره التي حاول أن يستند من خلالها إلى آراء علماء أكدت بعض معطياته وملاحظاته الجريئة. وهو يحاول أن يقول لأهله في عالمنا الثالث: إما أن نتماسك ونتعاون ونلتقي في فكرة واحدة، وإما أن نستسلم لواقع أصبح لا مفر منه. وأوضح أن خاتمته، التي سماها أيضًا «ليست خاتمة»، كان يريد من هذه التسمية أن يقول: «ما خفي أعظم»، وهو يدرك تمامًا من خلال بحثه وتحليله أن التجربة وسنوات القرن الجديد القادمة تحمل كثيرًا من المفاجآت.

وما ذكره حول مشهد أحد الأفلام الأمريكية عن رجل وعشيقته، وقصة الأسطوانة التي استمع إليها القاتلون، إشارة واضحة إلى أغلبية سكان العالم من الفقراء والمعدمين، كي يدركوا أن حسابات العولمة تختلف كثيرًا عن عفوية الفقراء وبساطتهم. ولا بد من النظر إلى الحياة بمفهوم جديد يتناسب مع المتغيرات العديدة التي فرضت نفسها. وسؤاله عمّا إذا كان العصر القادم عصرًا تحل فيه التكنولوجيا محل الأيديولوجيا، له إجابات عديدة ومختلفة. والكتاب في مجمله طرح يخدم الباحثين لكشف المزيد من خبايا المرحلة المقبلة، ودعوة إلى اكتشاف أشياء ستحدث، ولكن اكتشافها يحتاج إلى قراءة متأنية للماضي والحاضر، وإلى إجابات كثيرة كانت مختبئة بين السطور، حاول المؤلف خالد محمد غازي قراءتها بجرأة شديدة، ربما تدفع الآخرين إلى أن يكونوا أكثر قدرة وأعلى صوتًا قبل الطوفان.

زين العابدين التوم

جريدة «أخبار الخليج» ـ البحرين