نار الفوضى تحرق مصر

 

  د. خالد غازي   

ما حدث أمام مجلس الوزراء في مصر، لا يتصل ـ بأي حال ـ بثورة الخامس والعشرين من يناير؛ فالثوار الذين قادوا الدولة نحو الديمقراطية لا يعقل أن يقوموا بأعمال تخريب وحرق.

 

(1)

تعتبر تلك الأحداث ـ والتي راح ضحيتها الكثيرون بين قتلى وجرحى، وتخللتها محاولات التعدي على المباني الخاصة بالمؤسسة التشريعية للبرلمان بمجلسيه “الشعب” و”الشوري”، وعلى المجمع العلمي، الذي يحوي تاريخ مائتين وعشرين عاماً كاملة من أنفس وثائق وتراث؛ حيث تعود مقتنياته إلى أيام الحملة الفرنسية على مصر. ما حدث ويحدث قضية أمن قومي لا تخلو من نظرية “المؤامرة”، وعلى قدر كبير من الحنكة والدسيسة؛ فالجرائم التي دبرت تقول ذلك، وأطرافها داخلية وخارجية، تريد العودة بعقارب الزمن إلى الوراء. فهناك من يحرك البلاد نحو الفوضى، ويريد تعطيل مسيرة الديمقراطية التي تمثلها الانتخابات البرلمانية في عهدها الأول؛ فأي صاحب بصيرة يدرك أن البلطجية والمخربين تحركهم قوى داخلية وخارجية لاستدراج مصر رويداً إلى مستنقع من الفوضى والتي يزعمون أنها “خلاقة”.

تلك الفكرة الجهنمية التي أبدعتها كيانات إسرائيلية، وغذتها الإدارات الأميركية المتعاقبة فكرة “الشرق الأوسط الكبير”. بدليل أن مصر تتعرض منذ ثورة “يناير” لمخطط خبيث، يزج بها في مشاكل مستمرة تعوقها عن تنفيذ أهدافها، وتحاول تأجيج تصادم الثوار بالجيش التي سبقتها الشرطة. ومن الضروري الانتباه لتلك المخططات؛ حتى لا تحرق مصر وشعبها، كما حدث في دول عربية أخرى. فما يحدث فتن؛ فالوقيعة بين الجيش والشعب لا تخلو من المؤامرة، فضلاً عن أن هناك وسائل إعلام وصحفاً خاصة مجندة لترسيخ تلك المعاني؛ حيث تقتصر فقط على عرض وجه واحد للحقيقة، رغم أن الأحداث المتلاحقة تكشف أن هناك أكثر من وجه؛ فاستمرار تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية يخدم بعض الأجندات المجهولة، التي تنخر في جسد المجتمع الذي أمرضه كثرة الاشتباكات والفتن، كما أن استمرار التظاهرات بالشكل الحالي يؤدي إلى مزيد من الفوضى والتخبط.

 

(2)

ثمة تدخلات من أطراف داخلية وخارجية ـ على السواء ـ تبحث عن دور لها في مسار العملية السياسية الأساسية، خاصة أننا على أعتاب بناء دولة جديدة. وتلك القوى تسعي لحماية مصالحها وأهدافها الخاصة ـ التي أغلب الظن أنها تختص بالبنية الاسياسية للدولة؛ أي أنها استراتيجية في تكوينها ومحورية في بنيانها ـ فاجترار الأحداث التي وقعت مؤخراً ـ قبيل انطلاق الانتخابات ـ كانت تهدف إلى إلغائها أو تأجيلها، لكن المجلس العسكري لم يرضخ للضغوط، فكانت الانتخابات. لكن بعض الأطراف الداخلية المدعومة من قوى خارجية أرادت إفشال الانتخابات، فقامت بتكرار السيناريو ذاته خلال مراحل الانتخابات الثانية والثالثة؛ فالمقصد التأثير السلبي عليها، واختلاق نوع من الارتباك لصرف الرأي العام عن العملية الديمقراطية، وشغله بأشياء أخرى بعيدة عن العملية الانتخابية. والمقلق في الأمر أن الحديث ـ وكذلك التأكيدات ـ عن وجود تلك الجهات محير، خاصة أنه لا يعرف لها مطالب محددة، حتى يمكن كشف أجنداتها، وهي تتحدث عن جملة مطالب لا معنى لها.

 

(3)

إن غياب الشفافية والوضوح في مسار الأحداث، سيدخلنا إلى ساحة رحبة من الشائعات؛ حيث إننا عند الوقوف حيالها، لا نجد معلومات حقيقية، ولا أي وضوح يمكن الاستدلال به؛ وبالتالي فتصنيف الأحداث التي شهدها شارع رئاسة مجلس الوزراء قد يكون جنائياً قبل أن يكون سياسياً؛ فالتحليل الدقيق من الصعب الوصول إليه ما دامت المعلومات مطموسة، ويصعب تفسيرها، وعلى هذا فإن كل الأمور واردة ومحتملة في الأحداث الأخيرة، التي أدت إلى تفاعلات عدة أخطرها الاستقالات التي توالت على المجلسي الاستشاري، الذي عينه المجلس العسكري للتشاور في القضايا الحيوية التي تمثل خطراً على مستقبل مصر، وحتى يخرج من تلك المناقشات بآراء سديدة لعبور الفترة الانتقالية؛ حيث استقال عشرة أعضاء من المجلس من أصل ثلاثين عضوا، وهذا أمر غاية في الخطورة؛ لأن هذا المجلس يمثل حلقة “الوسيط” والتواصل بين الحاكم العسكري والقوى السياسية والمدنية في المجتمع، وغيابه يؤدي إلى مزيد من التدهور في علاقة القوات المسلحة بالشعب؛ مما يهدد بانتكاسة.وعلى جانب آخر، بمتابعة ما يجري نجد أن هناك أطرافاً تريد سحب البساط من القوى السياسية التي فازت بالجولة الأولي والثانية من الانتخابات البرلمانية، أي قوى الإسلام السياسي، التي باتت قاب قوسين أو أدني من حسم الانتخابات في الجولة الثالثة. فتلك القوى العابثة بأمن مصر القومي قد تكون من المخفقين في الانتخابات؛ وبذلك تحاول إشعال الأحداث ورد البساط إليها مرة أخرى، فأخذت في تدعيم التحركات الفئوية والاعتصامات والتظاهرات بحجة تحقيق الديمقراطية وأخرى للحفاظ على حقوق الإنسان وتفعيل ميثاقه العالمي؛ لأنها تريد الارتداد إلى الخلف، والعودة إلى نظام مبارك الذي كان يتبع الطريقة ذاتها عندها تتأزم أمامه المشكلات.

 

(4)

ولعل المشهد البارز في الاشتباكات التي جرت؛ هو مقتل أمين الفتوى بدار الافتاء بالأزهر؛ فحادثة اغتيال الشيخ عماد عفت؛ تطرح تساؤلات لا حصر لها..من قتل الشيخ الأزهري؟ ومن يسعي لنشر الفوضى وسفك دماء الأبرياء على الأسلفت؟ تلك التساؤلات تتصاعد وتيرتها عندما تقرأ وتسمع ما نشر حول الحادث؛ ففي تصريح لزوجة الشهيد ـ عقب وفاته ـ قالت إن زوجها ذهب إلى شارع مجلس الوزراء؛ للتحدث مع المعتصمين في محاولة لاحتواء الموقف كشيخ وعالم دين، إلا أنه ـ وفي أثناء وقوفه بجوار المتظاهرين ـ فوجئ بطلق ناري (لم يستقر في صدره، بل دخل وخرج في نفس الوقت) من مسدس أحد “المندسين” بين المعتصمين كان يقف إلى جواره، وهو من صوب إليه رصاصة الموت. فمن قتل أمين الفتوى؟ وماذا يريد بهذه الجريمة؟ ولماذا وسط هذا الزخم والازدحام؟ دمه في رقبة مَن؟ ومَن هؤلاء المندسون الذين أراقوا دماءه؟. فهذه الرواية تلوي عنق الروايات والشهود أي أن هناك من اندس بين الثوار والقوات المسلحة؛ في دليل قوي وواضح على أن بعض الذين يهاجمون وينشرون الفوضى ليسوا قوات الأمن ولا ثوار المعتصمين الذين دأبوا على الاعتصام ثلاثة أسابيع متصلة دون أن يحركوا ساكناً؛ بهدف إشعال وتهييج الأوضاع. لا نعلم بالتحديد لمصلحة من يفعلون ذلك!

 

(5)

يحتاج الخروج من المأزق الحالي إلى صوت الحكمة والعقلاء، ضرورة كشف الحقائق بشفافية، لبيان ما جري، وشرح أبعاد المؤامرة التي تواجهها مصر؛ لكي نعرف من هم الأطراف الفاعلون؟ وما مخططاتهم؟ كذلك لا بد أن يقدم المتورطون في إشعال الأحداث إلى المحاكمة؛ حتى لو كانوا ضباطاً في القوات المسلحة أو من الثوار أو من الشرطة، وأيضاً استمرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة في القيام بدوره المنوط به في هذه المرحلة الحرجة، والعمل على حماية المؤسسات والمنشآت العامة والخاصة، مع إعمال دولة القانون، وتجنب اللجوء لأساليب العنف مع المتظاهرين أو استخدام الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع؛ حتى لا تحدث الفوضى من جديد، مع تحديد أماكن للتظاهر والاعتصام؛ حتى يعود الأمن والاستقرار، ويتمكن عندها العسكري من العودة إلى ثكناته.